ليلى والسمّاعة الوردية، قصة أطفال عن الاختلاف والقبول والشجاعة
رنَّ الجرسُ، لكنَّ أحدًا لم يقفز من مقعده. كان الجوُّ في الصفِّ غريبًا ذلك الصباح. رائحةُ الطباشيرِ ما زالت عالقةً في الهواء، وأشعةُ الشمسِ تتسلَّلُ من النافذةِ وتلمسُ حقائبَ الأطفالِ الملوَّنة. حقيبةٌ حمراء، وأخرى زرقاء، وواحدةٌ صفراءُ عليها رسمُ فراشة. كلُّها مفتوحةٌ قليلًا، كأنَّها تنتظرُ شيئًا أخيرًا قبلَ أن تُغلَق.
في آخرِ الصفِّ، في الزاويةِ قربَ النافذة، جلستْ ليلى. كانت طفلةً صغيرةَ الجسمِ، تضعُ على أذنِها اليُسرى سمّاعةً طبيّةً بلونِ الورد. ومنذُ أوَّلِ يومٍ في العامِ الدراسي، لم يسمعْ أحدٌ صوتَها إلّا ثلاثَ مرّات.
وقفتِ المعلمةُ أمامَ السبّورة، ومسحَتْ بيدِها آخرَ كلمةٍ مكتوبة. ابتسمتْ وقالت بصوتٍ دافئ:
قبلَ أن تذهبوا، أريدُ من كلِّ واحدٍ منكم أن يقولَ شيئًا تعلَّمهُ هذا العام... ليسَ من الكتب.
التفتَ الأطفالُ إلى بعضِهم. بعضُهم ضحك، وبعضُهم حكَّ رأسَه، وبعضُهم نظرَ إلى السقفِ كأنَّ الجوابَ معلَّقٌ هناك.
أصواتٌ صغيرةٌ وقلوبٌ أطفال كبيرة
رفعَ يوسف يدَه أوّلًا. كان قميصُه متجعِّدًا قليلًا، وشعرُه يقفُ إلى الأعلى كأنَّه ريشُ عصفور. وقفَ، ثمَّ نظرَ إلى حذائه.
أنا... تعلَّمتُ أن أعتذر.
صمتَ قليلًا، ثمَّ أضافَ بصوتٍ أخفض:
كَسَرتُ قلمَ صديقي سامي في شهرِ نوفمبر، وكذَبتُ. لكنِّي في الربيعِ قلتُ له: أنا آسف. فابتسمَ وأعطاني قلمَه الجديد.
ضحكَ الأطفالُ ضحكةً قصيرة. ثمَّ وقفتْ مريم، وهي تعبثُ بطرفِ ضفيرتها.
أنا تعلَّمتُ أن أقولَ: لا.
رفعَ الأطفالُ حواجبَهم.
كانتْ بنتٌ في الحافلةِ تأخذُ ساندويشي كلَّ يوم. وأنا أسكت. وفي يومٍ من الأيام، قلتُ لها: لا. هذا طعامي. فنظرتْ إليَّ، ثمَّ جلستْ بعيدًا. والآن صِرنا صديقتين.
جاءَ دورُ كريم. كان أطولَ طفلٍ في الصف، لكنَّ صوتَه كان هادئًا كقطرةِ ماء.
أنا تعلَّمتُ أنَّ البكاءَ ليسَ ضعفًا. يومَ ماتَ قطِّي، بكيتُ أمامَ أبي. فاحتضنَني، وبكى معي. ومنذُ ذلك اليوم، أعرفُ أنَّ الدموعَ أحيانًا تُشبهُ المطر، تُنظِّفُ القلب.
هبَّتْ نسمةٌ من النافذةِ فحرَّكتْ أوراقَ الدفاترِ على المقاعد. المعلمةُ كانت تستمعُ، ويدُها على صدرِها.
الهمسةُ التي أسكتتِ الصف في قصتنا
واحدًا تلوَ الآخر، تكلَّمَ الأطفال. طفلٌ تعلَّمَ أن يُشاركَ، وطفلةٌ تعلَّمتْ أن تسألَ حينَ لا تفهم، وآخرُ تعلَّمَ أن يربطَ حذاءَهُ بنفسه.
ثمَّ... التفتتِ المعلمةُ إلى الزاوية.
ليلى، حبيبتي، هل تريدينَ أن تقولي شيئًا؟
انكمشتْ ليلى قليلًا في مقعدها. لمستْ سمّاعتَها الورديّةَ بأصبعها الصغير، تلكَ العادةُ التي تفعلُها كلَّما اقتربَ منها شيءٌ جديد. نظرتْ إلى زميلاتِها. نظرتْ إلى يديها. ثمَّ إلى النافذة.
فتحتْ فمَها، لكنَّ الكلماتِ اختبأت.
ابتسمتِ المعلمةُ ابتسامةً صغيرة، وقالت:
لا تستعجلي. نحنُ نسمعُكِ من هنا، ولو كانَ صوتُكِ صغيرًا.
أخذتْ ليلى نَفَسًا طويلًا، وكأنَّها تجمعُ كلَّ شجاعتِها في صدرِها الصغير. ثمَّ قالت بصوتٍ خافتٍ كريشةٍ تسقط:
أنا... تعلَّمتُ أنَّ كلَّ واحدٍ منّا... يملكُ شيئًا لا يملكُه الآخرون.
صمتَ الجميع. ولم يضحكْ أحد. لم يتحرَّكْ أحد. حتّى الساعةَ على الحائطِ بدَتْ وكأنَّها توقَّفتْ للحظة.
تابعتْ ليلى، وعيناها على سمّاعتِها:
أنا أسمعُ العالمَ بطريقةٍ غيرِ طريقتكم. في البدايةِ، كنتُ أظنُّ أنَّ هذا عيب. لكنِّي في هذا العام... سمعتُ في سكوتي أشياءَ لم تسمعوها. سمعتُ صوتَ المطرِ على الشبّاك، وصوتَ المعلمةِ حينَ تبتسمُ قبلَ أن تتكلَّم. كلُّ واحدٍ فينا يسمعُ شيئًا مختلفًا. ويرى شيئًا مختلفًا. وهذا جميل.
وضعتْ يدَها على فمِها، كأنَّها تفاجأتْ من نفسِها.
نهايةُ العامِ وبدايةُ شيءٍ آخر
اقتربتِ المعلمةُ من ليلى ببطءٍ، وجثَتْ أمامَها حتّى صارتْ عيناهما في المستوى نفسِه. مسحتْ دمعةً صغيرةً من طرفِ عينِها، وقالت:
يا أطفالي، هذا... هذا هو أهمُّ ما يمكنُ تعلُّمه في الحياةِ كلِّها.
نظرَ الأطفالُ إلى ليلى نظرةً جديدة. نظرةً فيها دهشة، وفيها احترام، وفيها شيءٌ يُشبهُ الحبّ.
ثمَّ قفزَ يوسف من مكانه، وركضَ نحوَها، وأخرجَ من جيبِه زهرةَ ياسمينٍ صغيرةً كان قد قطفَها في الصباحِ من حديقةِ المدرسة. وضعَها بجانبِ سمّاعتِها الورديّة.
فابتسمتْ ليلى ابتسامةً واسعة، ورفعتْ زهرةَ الياسمينِ إلى أنفِها، وأغلقتْ عينيها، واستنشقتْ رائحةَ آخرِ يومٍ من العام.
العبرةُ من القصّة
في داخلِ كلِّ طفلٍ كنزٌ صغيرٌ لا يملكُه سواه، ومهما بدا مختلفًا عن غيره، فإنَّ اختلافَه هو بالضبط ما يجعلُه مميَّزًا. علِّمْ طفلكَ أن يُنصتَ لصوتِه الداخلي، وأن يرى في الآخرينَ جمالًا لا يراهُ الجميع، فالفرقُ بيننا ليسَ نقصًا، بل لونٌ إضافيٌّ في لوحةِ العالم.
لماذا تهمُّ هذه القصّةُ طفلَك
تُعلِّمُ هذه القصّةُ الأطفالَ بينَ الرابعةِ والثامنةِ قيمةَ التقبُّلِ الذاتيِّ واحترامَ الاختلاف، وهي مرحلةٌ حسّاسةٌ يبدأُ فيها الطفلُ بمقارنةِ نفسِه بأقرانِه. من خلالِ شخصيّةِ ليلى، يتعلَّمُ الطفلُ أنَّ الهدوءَ ليسَ ضعفًا، وأنَّ الاختلافَ الجسديَّ أو السلوكيَّ ليسَ عيبًا. كما تُنمّي القصّةُ مهاراتِ التعاطفِ والإصغاءِ والشجاعةِ في التعبيرِ عن الذات، وتفتحُ بابًا للحوارِ بينَك وبينَ طفلكَ حولَ ما يُميِّزُه حقًّا.
أسئلةٌ شائعة
كيفَ أشرحُ لطفلي معنى أنَّ "كلَّ واحدٍ يملكُ شيئًا لا يملكُه الآخرون"؟
اجلسْ معَه واسألْه: ما الشيءُ الذي تُحبُّ أن تفعلَه أكثرَ من أصدقائك؟ ثمَّ أخبرْه عن موهبتِه الخاصّة التي لاحظتَها أنت. الطفلُ يفهمُ بالمثالِ أسرعَ من الشرح.
طفلي خجولٌ كليلى، هل أدفعُه للكلامِ أمامَ الآخرين؟
لا تدفعْه، بل امنحْه الوقتَ والأمان. الخجلُ ليسَ عيبًا يُصلَح، بل طبعٌ يحتاجُ بيئةً دافئة. حينَ يشعرُ بأنَّ صوتَه مسموعٌ في البيت، سيجدُ شجاعتَه خارجَه.
ابنتي تشعرُ بأنَّها مختلفةٌ عن زميلاتِها، كيفَ أساعدُها؟
احتضنْها، وأخبرْها بقصصٍ عن أشخاصٍ نجحوا لأنَّهم كانوا مختلفين. الاختلافُ حينَ يُحتفى به في البيتِ يصيرُ فخرًا، وحينَ يُخفى يصيرُ جرحًا. كوني أنتِ أوّلَ من يُصفِّقُ لتميُّزِها.
للمزيد من قصص اطفال على موقعنا القصة يمكنكم قرأتها من هنا.
أتمنى أن تنال القصة إعجابك وتكون إستفدت منها ولاتنسى مشاركتها مع أصدقائك ليستفيد الجميع وشكراً.





